الالكترون لا يدور حول النواة

الإلكترون لا يسلك مدارًا حول النواة كمدارات الكواكب، ربما تعرف هذة الحقيقة وربما لم تصادفك من قبل، فلم لا نتعرف عليها عن كثب، هل الإلكترون يدور حقاً حول النواة، أم لا؟ وكيف ينتقل حولها إذن؟!

ربما درست في فرع الكيمياء أن الإلكترون يدور حول النواة، مثلما تدور الكواكب حول الشمس، ولكن في الحقيقة ما درسته هو نموذج «بور-Bohr» لوصف الذرة، وهو ليس صحيحًا بالتأكيد، وليس خاطئًا بالكامل أيضًا فنموذج بور كان قائمًا على قوانين الميكانيكا الكلاسيكية، وفي وقت لاحق تم تعديل النموذج باستخدام قوانين ميكانيكا الكم.

إذا كنت لا تعرف أو ربما تسمع عن مصطلح الميكانيكا الكلاسيكية وميكانيكا الكم ولا تفهم الفرق بينهما، فإن الميكانيكا الكلاسيكية هي الفرع الأقدم في الميكانيكا (عِلم وَصف حركة الأجسام)، وهي قائمة على القوانين التي وضعها نيوتن، وغاليليو، وكيبلر لوصف حركة الأجسام، ذلك حتى ظهرت النسبية الخاصة والنسبية العامة لأينشتاين، ومن بعدها ميكانيكا الكم؛ وهي علم الميكانيكا الذي يصف حركة الأجسام الكمومية، والتي تنهار عندها قوانين الميكانيكا الكلاسيكية، حسناً ما هو المقصود بكلمة “تنهار”!! هل يمكن حقاً لتلك القوانين أن تنهار؟ نعم، إنها تنهار في عالم الكموميات (الجسيمات الكمومية مثل الفوتونات والالكترونات)، قوانين ميكانيكا الكم التي تفسر كيف أن الإلكترون لا يدور حول النواة؟ ولا يدور بالأساس! إذًا ماذا يفعل؟

الإلكترون ينتقل من مكان لآخر حول النواة، دون أن يدور، هو فقط ينتقل، أنت الآن تتسائل كيف نصف حركته إذاً؟ حسنًا الإجابة هي أنه لا يمكننا وصفها (ربما هي أقرب للقفز مثلاً؟)! لأنه في كل مكان في نفس الوقت.. وكيف يمكن لأي شيئ أن يكون في كل مكان في نفس الوقت؟ هنا يأتي دور «معادلة شرودنجر-Schrödinger equation» لتفسير حالة الأنظمة الكمومية فهي عبارة عن دالة موجية، ويكون ناتج حلها أعداد الكم الأربعة (وهي عدد الكم الرئيسي، والفرعي، المغزلي، والمغناطيسي)، وبما أنها دالة موجية فلها احتمالات، وهذه الاحتمالات هي كل مكان، ولكن يزداد الاحتمال في موضع ما ويقل في موضع آخر، والمواضع التي يزداد بها احتمال تواجد الإلكترون هي ما تسمى بـ «الأوربتالات» وهنا يظهر الفرق بين «نموذج بور» الذي يظهر دوران الإلكترون في شكل محدد كمسار حول النواة، وبين «ميكانيكا الكم» التي تقول بانه يوجد في كل مكان، ويزداد تواجده في «الأوربتالات». هي ليست مسارات محددة، ويختلف شكلها من «أوربيتال» لآخر فمنها الدائري، ومنها ما يشبه علامة اللانهاية (∞) في شكل ثلاثي الأبعاد، ومنها أشكال معقدة أخرى، وليس هذا فقط الاختلاف بين «نموذج بور» والنموذج القائم على «ميكانيكا الكم», فنموذج بور يعامل الإلكترون على أنه جسيم، أما «ميكانيكا الكم» فتعامله على انه موجة وجسيم في نفس الوقت، وليس فقط الإلكترون فكل الجسيمات الكمومية في الكون تعامل كموجة وجسيم في نفس الوقت (وهذا يسمى بالطبيعة المزدوجة وهو ما يسبب مبدأ اللايقين)، ذلك فقط حتى تتم مراقبة الجسم، وهنا تنهار الدالة ويتحدد طبيعته، ففي العالم الكمومي مراقبتنا للأجسام تحدد ما هي طبيعتها!!

أما عن «مبدأ عدم التأكد-uncertainty principle» لهايزنبيرج فهو يوصف عادة بأنه نتيجة لقياس الشيء، وإن قياس المكان لشيء ما يغير من سرعته والعكس صحيح (فالقياس يؤثر على النتيجة)، وبسبب الطبيعة المزدوجة لكل شيء كما ذكرنا، فلنبدأ أولًا بذكر الفرق بين الموجة والجسيم،

الجسيم يتواجد في مكان “محدد” في أي لحظة من الزمن، وإذا قمنا بتمثيل موقعه في وقت ما خلال الزمن فسيكون في شكل نقط محددة وبنسبة 100% في مكان محدد، وصفر % في أي مكان آخر.

أما عن الموجات فهي تنتشر في الفراغ مثل موجات على سطح المياه، ولا يمكننا تحديد مكان محدد لها، ولكن ما يهمنا بها هو طولها الموجي، وهو المسافة بين قمتين متتاليتين، أو قاعين متتالين.

الطول الموجي مهم في الميكانيكا الكمومية، فالطول الموجي لأي شيء مرتبط بزخمه (الزخم لجسم ما هو حصل ضرب كتلته في متجه سرعته p=mv وفي حالة كان الجسيم عديم الكتلة –تقريبًا- فإن الزخم يساوي ثابت بلانك على الطول الموجي p=h/ λ) وكما يظهر من العلاقات فإن مع زيادة السرعة أو الكتلة أو قصر الطول الموجي فإن الزخم يزيد.

إذن، إذا كان لدينا موجة فيمكننا قياس طولها الموجي وبالتالي زخمها، ولكن ليس لها مكان محدد، ويمكننا معرفة مكان الجسيم بشكل جيد، ولكنه لا يمتلك طول موجي يمكن قياسه، لذلك لا نعرف زخمه! لتحصل على جسيم بطول موجي وزخم معاً علينا مزج الصورتين؛ لرسم شكل تخطيطي له موجة ولكن في موقع صغير! حسنًا وكيف نفعل ذلك؟ بإتحاد أمواج بعدة أطوال موجية مختلفة معلومة، الذي يعني إعطاء الشيئ الكمي بعض الاحتمالات لزخم مختلف (بسبب الأطوال الموجية المختلفة)، عندما نوحد موجتين نجد أن هناك أماكن على التخطيط تظهر فيها الأمواج بقمم أكبر، وبإضافة أمواج أكبر تزداد ارتفاع القمم، ويظهر أماكن على الرسم تختفي فيها القمم (تصبح في شكل خطي)، أما عن الأماكن التي بها قمم مرتفعة ومحددة في المكان فهذا هو شكل الجسيم ذو الطبيعة المزدوجة، والذي أصبح يمتلك العديد ممن الاحتمالات الآن لزخمه، واحتمالات أقل لمكانه.

إذا قللنا عد الأمواج تزداد احتمالات المكان، إذا استمرينا بإزالة الأمواج لنصل لموجة واحدة مثلًا فهنا يصبح احتمال الزخم محددًا واحتمال المكان ضعيف جدًا، أصبح الأمر واضحًا الآن، كلما زاد احتمال الزخم قل احتمال المكان والعكس صحيح، وهذا هو «مبدأ عدم التأكد» لهايزنبرج والذي ينص على أنه لا يمكنك تحديد المكان والزخم بدقة فكلما زاد يقيننا أو معرفتنا بالمكان قلت احتمالية معرفتنا بالزخم، والصيغة الرياضية للمبدأ هي:

Δ(أكس) Δ (بي) >= (آتش)/2ط

” Δ “(يسمى هذا المثلث بدلتا ويعنى الفرق بين قيمتين فمثلًا: س2 – س1=Δس)

حيث دلتا (إكس) هي الاحتمالية في الموقع (المكان)، ودلتا (بي) هي الاحتمالية في الزخم، الـ(h) هو ثابت بلانك، وبما أن الجانب الأيسر من المتباينة يساوي عدد ثابت فهذا يعني أنه كلما زاد أحد المعاملين في الطرف الأيمن على الآخر أن ينقص، وهذا ما ينص عليه المبدأ أيضًا، ربما يرتبك عليك الأمر الآن، وتتساءل ما هو الفرق بين مبدأ عدم التأكد في الحالات الكمومية وفي الأشياء العادية التي نراها يوميًا؟ السبب الذي لا يجعلنا نلاحظ الطبيعة المزدوجة للأجسام التي نراها كل يوم، أن طولها الموجي أو مكانها المحدد لو كانت موجة ضئيل جداً، فلو قذفت بكرة في الهواء، سيكون زخمها مليار جزء من تريليون من تريليون جزء من المتر!! والذي يستحيل ملاحظته، أما الأشياء الكمومية كالإلكترونات لديها طول موجي كافي لقياسها في التجارب الفيزيائية.

عن Abdullah Kamel

23 سنة ، فلسطيني ، مهندس مدني اعمل في NCTC ،كاتب ، شاعر ، مبرمج، أعشق الفلسفة

شاهد أيضاً

الثقوب الدودية

  تطورت علومنا و تطورت اختراعاتنا الى ان وصلنا لما وراء النجوم وصلنا لعلمٍ يؤهلنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *